الشنقيطي
532
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والوجه الثاني : أن الاستفهام في جميع ذلك للتقرير ، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول : بلى . وقوله : يأن : هو مضارع أنى يأنى إذا جاء إناه أي وقته ، ومنه قول كعب بن مالك رضي اللّه عنه : ولقد أنى لك أن تناهي طائعا * أو تستفيق إذا نهاك المرشد فقوله : أنى لك أن تناهي طائعا ، أي جاء الإناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه طائعا ، أي حضر وقت تناهيك ، ويقال في العربية : آن يئين كباع يبيع ، وأنى يأني كرمى يرمي ، وقد جمع اللغتين قول الشاعر : ألما يئن لي أن تجلى عمايتي * وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا والمعنى على كلا القولين أنه حان للمؤمنين ، وأنى لهم أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه ، أي جاء الحين والأوان لذلك ، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه . وقوله تعالى : أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ المصدر المنسبك من أن وصلتها من أن وصلتها في محل رفع فاعل بأن ، والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة والانخفاض ، ومنه قول نابغة ذبيان : رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع فقوله : خاشع أي منخفض مطمئن ، والخشوع في الشرع خشية من اللّه تداخل القلوب ، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون ، كما هو شأن الخائف . وقوله : لِذِكْرِ اللَّهِ ، الأظهر منه أن المراد خشوع قلوبهم لأجل ذكر اللّه ، وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] أي خافت عند ذكر اللّه ، فالوجل المذكور في آية الأنفال هذه ، والخشية المذكورة هنا معناهما واحد . وقال بعض العلماء : المراد بذكر اللّه القرآن ، وعليه فقوله : وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ من عطف الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظين ، كقوله تعالى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) [ الأعلى : 1 - 3 ] ، كما أوضحناه مرارا . وعلى هذا القول ، فالآية كقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] ، فالاقشعرار المذكور ، ولين الجلود والقلوب عند سماع هذا القرآن العظيم المعبر عنه بأحسن الحديث ، يفسر معنى الخشوع لذكر اللّه ، وما نزل من الحق هنا كما ذكر ، وقوله تعالى : وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام